عبد الكريم الخطيب

882

التفسير القرآنى للقرآن

وتصور . . كيف يكون الحال ، لو عرف الناس ميزانا دقيقا يزنون به تصرفاتهم - قبل أن تقع - وتتبيّنوا جانب الخير ، وجانب الشر منها ؟ إن إنسانا لن يمدّ يده ، أو يسعى برجله ، إلى شر أبدا . . وكيف وقد استبان له وجه الخير والشرّ ، على الصورة التي يقعان بها ؟ . وقد تقول : إن كثيرا من الأمور يعرف الناس وجه الخير والشرّ فيها ، ومع هذا ، فإنهم يواقعون الشرّ وعيونهم مفتوحة له ! فهناك شرّ صراح لا خفاء فيه ، ومع هذا فإنه واقع في سلوك الناس . . قد تقول هذا ! ونحن نوافقك على هذا الاعتراض ، ولكن على شرط أن تتفق معنا على أن مثل هذا الشرّ غير مصحوب « بالحتمية » التي تجعل وقوعه أمرا لازما ، لا مفرّ منه ، عند الذين يتلبّسون به على الأقل . . فإن هناك صورا من الاحتمالية تثور دائما في وجه ما يبدو أنه شرّ محض ! وهذه « الاحتمالية » هي الضباب الذي يخفى كثيرا من وجوه الشرّ ، فيما هو شر ، وهي السراب الخادع الذي يضلل الإنسان ، ويغربه بفعل ما هو شر ، وإن كان يراه رأى العين ! ! ولا شك أن رغباتنا ، وعواطفنا ، تلعبان دورا هاما ، في مجال العمليات الاحتمالية ، فتقويها أو تضعفها ، على حسب ما عندنا من رغبات وعواطف نحو الشر الذي نقف إزاءه ، وما عندنا من إرادة ، وعزم ، وثورة ، على ضبط هذه الرغبات ، وكبح جماح تلك العواطف ! ! ومع هذا ، فإننا نقول : إنه من الخير أن يظلّ الخير والشرّ في هذه السّحب التي تحجب الكثير من معالمها ، فيكون « للاحتمالية » ومكانها في الخير أن يكون شرا ، وفي الشرّ أن يكون خيرا - وبذلك تقوم دواعي العمل ، ويكون للحياة